سيد محمد طنطاوي

199

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فهذه الآية الكريمة تأكيد لما اشتملت عليه سابقتها من مداومة التقوى والطاعة اللَّه رب العالمين . والاعتصام : افتعال من عصم وهو طلب ما يعصم أي يمنع من السقوط والوقوع . وأصل الحبل : ما يشد به للارتقاء أو التدلي أو للنجاة من غرق أو نحوه ، أو للوصول إلى شيء معين . والمراد بحبل اللَّه هنا : دينه أو عهده ، أو كتابه ، لأن التمسك بهذه الأشياء يوصل إلى النجاة والفلاح . والمعنى : كونوا جميعا مستمسكين بكتاب اللَّه وبدينه وبعهوده ، ولا تتفرقوا كما كان شأنكم في الجاهلية بضرب بعضكم رقاب بعض ، بل عليكم أن تجتمعوا على طاعة اللَّه وأن تكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا . وبذلك تفوزون وتسعدون وتنتصرون على أعدائكم . ففي الجملة الكريمة استعارة تمثيلية حيث شبه - سبحانه - الحالة الحاصلة من تمسك المؤمنين بدينه وبكتابه وبعهوده وبوحدة كلمتهم ، بالحالة الحاصلة من تمسك جماعة بحبل وثيق مأمون الانقطاع ألقى إليهم من منقذ لهم من غرق أو سقوط أو نحوهما . وإضافة الحبل إلى اللَّه - تعالى - قرينة على هذا التمثيل . وقوله * ( جَمِيعاً ) * حال من ضمير الجماعة في قوله * ( واعْتَصِمُوا ) * . فالجملة الكريمة تأمر المسلمين جميعا أن يعتصموا بعهود اللَّه وبدينه . وبكتابه ، وأن يكونوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، وأن ينبذوا التفرق والاختلاف الذي يؤدى إلى ضعفهم وفشلهم . قال الفخر الرازي عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : واعلم أن كل من يمشى على طريق دقيق يخاف أن ينزلق رجله ، فإنه إذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن من الخوف . ولا شك أن طريق الحق طريق دقيق ، وقد انزلقت أرجل كثير من الخلق عنه ، فمن اعتصم بدلائل اللَّه وبيناته فإنه يأمن من ذلك الخوف فكان المراد من الحبل هنا : كل شيء يمكن التوصل به إليه الحق في طريق الدين ، وهو أنواع كثيرة فمنهم من قال المراد به عهد اللَّه . . ومنهم من قال المراد به القرآن ، فقد جاء في الحديث « هو حبل اللَّه المتين » ومنهم من قال المراد به طاعة اللَّه . . وهذه الأقوال كلها متقاربة والتحقيق ما ذكرنا من أنه لما كان النازل في البئر يعتصم بحبل تحرزا من السقوط فيها وكان كتاب اللَّه وعهده ودينه وطاعته وموافقته لجماعة